الشيخ السبحاني
430
بحوث في الملل والنحل
الصفات الكماليّة . ولا يهدف هذا البيان إلى إخلاء الذات عن حقيقة هذه الصفات ، ولا تعطيلها عن الاتصاف بها ، بل يريد أنّ الذات لأجل كونها كلّ الكمال وكلّ الجمال ، وليس فوقها موجود أكمل وأجمل ، بوحدتها وبساطتها واجدة لحقيقة هذه الصفات . والفرق بين كونه سبحانه عالماً وكون زيد عالماً ، بعد اشتراكهما في كونهما واجدين لحقيقة هذا الوصف ، هو أنّه سبحانه ببساطته واجد لهذا الكمال ، وذاته مصداق للعلم ، ولكنّ زيداً بذاته غير واجد لهذا الكمال وإنّما وصل إليه في مرتبة بعدها . نعم ، كونه سبحانه عالماً بهذا المعنى يخالف ما هو المتبادر منه لفظ « العالم » وأشباهه ، فإنّ المتبادر منه هو الذات المتّصفة بالمبدأ لا الذات البسيطة المتحقّق فيها المبدأ ، والقسم الثاني مصداق جديد لم يتعرّف عليه العرف كما لم يتعرّف عليه الواضع ، وإنّما هو مصداق كشف عنه العقل بدقّته وغفل عنه العرف لمسامحته ، ولكنّه لا يضر بالإطلاق ، لأنّ العرف لا يتوجّه إلى هذه الدقائق ، وأهل الدقّة غير غافلين عن هذا الفرق ، وارتكاب خلاف الظواهر بهذا المقدار فراراً عن الإشكالات العقليّة كثير النظير . « 1 » ثمّ إنّ القائلين بوحدة الصفات مع الذات لا يعنون منها الوحدة من حيث المفهوم والموضوع له ، بداهة أنّ ما يفهم من لفظ الجلالة في قولنا « اللَّه عالم » غير ما يفهم من المحمول كلفظ « العالم » وإنّما يعنون بها الوحدة من
--> ( 1 ) . قال سبحانه « الْآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفا » ( الأنفال : 66 ) فهل يمكن الأخذ بظاهره البدئي في أنّه لم يكن عالماً قبله ؟